إذ تلقونه بألسنتكم: كيف نشارك في نشر الشائعات دون أن ندري

{إذ تلقونه بألسنتكم}

 

جمعتني ببعض أصدقائي وأقاربي جلسة طويلة، رحنا نعرّج فيها على أمور شتى، كعادة الناس في مثل تلك الجلسات، حتى وصلنا إلى ما يلوكه بعض العامة -بجهل- بتكذيبهم أمر صعود الأمريكان إلى القمر، لاسيما رحلة "أبوللو 11" التي كانت في صيف عام 1969، فساق أحد الجلوس كلاما، وهو غير مقتنع به، عن بعض شبهات أولئك القوم، ثم قال -بما يشبه اقتناعه بالأمر- "إن ما يثير ريبة المرء حقا هو رفرفة العلم الأمريكي على سطح القمر! كيف يرفرف وليس ثم هواء؟!". قالها بتعجب، فقلت له إن العلم لم يكن يرفرف، وإن ما يعلق بذاكرتي أنه كان يتموج ببطء، ولعل ذلك لأن الجاذبية ضعيفة وليست منعدمة. فقال لي مؤكدا: "بل كان يرفرف بقوة".. ورحنا نتبادل الحديث أخذا وردا، ونسينا الأمر.



ثم إنني تذكرت ذلك بعد أيام من تلك الجلسة، فهُرعت أبحث عن المرئية [الفيديو] الأصلية للهبوط الأول على سطح القمر، فإذا بي أجد العلم جامدا لا يتحرك مطلقا! فبحثت عن مزيد من المرئيات، فلم أجد في واحدة منهن أصليةٍ عَلَمًا يرفرف.

وهنا تذكرت قول الله تعالى {إذ تلقونه بألسنتكم}.. فمن بديع اللفظ القرآني أنه جعل الألسنة هي من تتلقى الخبر، وليس الآذان، كأنما المرء لا يُمِر الخبر على أذنه، التي تنقله بدورها إلى عقله، بل يتلقاه بنفس آلة البث، دون تحرٍّ، دون تدقيق، دون تفكير.

وكما يُشاع على ألسنتنا، نحن المصريين، "عماد مأكد لي"، حينما نريد أن نسخر من شائعة جاءت على لسان غير أهل وغير ثقة.



ونحن إذا تأملنا جُل ما يُلاك على ألسنة الناس من أقاويل وشائعات، بل ونظريات، بل وأحاديث- فسنجد ألا أصل لها صحيحا. ولسان حالنا بشأنها {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون}.

وعلاج هذا يسير على من يسره الله عليه: التحري والتدقيق والبحث الجيد المنصف. فإنْ ثَقُل عليك ذلك فالزم الصمت فيما لم تتحرَّه وتدققه وتبحث عنه بإنصاف جيدا.

وأعلم أن ذلك شديد الثقل على النفس؛ فالجسد والعقل قد خُلقا ليرشّدا استهلاكهما بأفضل قدر ممكن. ألا ترى أنك إذا بدأت الصوم بعد فترة لم تكن تصوم فيها أصابك الإعياء ونقُص وزنك شيئا ما في أول الأمر، ثم بعد ذلك يعتاد جسمك، بل ترى وزنك يزيد أحيانا. وذلك لأن ربنا جل وعلا قد خلق الجسم وعلّمه كيف يتأقلم. وكذلك العقل؛ فإنك لا تمعن التفكير لكي تمشي على قدمين، كما كنت تفعل وأنت تفارق مرحلة احتبائك على أربع. وكذلك لا تبذل جهدا في تناسق أطرافك الأربعة بعد أعوام من السباحة، كما كنت تفعل في بادئ الأمر... وهكذا. ولذلك فالعقل يجتهد في البحث عن الدليل —أعني مرشد الطريق— ثم يسلّم له زمام أمره؛ حتى لا يبذل مجهودا في كل كبيرة وصغيرة.

وههنا جانبٌ آخر، وهو ثقيل أيضا، وهو أنه يثقل على المرء أن ينشأ على شيء ثم يُصدم بعدم صحته.

أمسِك قليلا عن القراءة وفكر في الأشياء التي كنت تعدها ثوابت، ثم تبدّى لك عدم صحتها.. كم كان الأمر صادما ومزلزلا في البداية؟

أما أنا فأذكر كمًّا هائلا من تلك الأشياء، بداية من اكتشافي لخرافة "أبو شوال" [أي جوال باللهجة المصرية] الذي يخطف الأطفال السيئين الذين لا "يسمعون الكلام" ويبكون كثيرا، مرورا بأن كثرة شرب الماء تؤدي إلى السمنة، وقصة العنكبوت والحمامة على غار حراء... وغير ذلك كثير جدا.

في البداية سيكون الأمر شاقا وصعبا، كأنما تريد أن تؤدي حركة من حركات رياضة "الجمباز" التي تحتاج إلى مرونة شديدة، لكن المفرح في الأمر أنك ستصل إلى تلك المرونة كلما داومت على هذه التمارين.

 

القرآن يوجّهنا

كل هذه الثرثرة يلخصها قول الله سبحانه وتعالى {إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم}: فلا نقول شيئا إلا ما كان لنا به علم. وقوله {قل هاتوا برهانكم إن كنت صادقين} فالصادق وحده هو من يملك برهانا على قوله.

والسلام على من اتبع وانتفع.


0/أضف تعليق